ابن زهرة الحلبي

43

غنية النزوع

بين الذكية والميتة ، ولا يجوز الامتنان بما لا يجوز الانتفاع به لنجاسته ، وقوله تعالى : * ( حرمت عليكم الميتة ) * ( 1 ) لا يعارض ما ذكرناه ، لأن اسم الميتة يتناول ما تحله الحياة ، وهذه الأشياء لا تحلها الحياة ، فلا يحلها الموت . فأما جلد الميتة فلا يطهر بالدباغ ، بدليل هذا الإجماع ، وظاهر قوله تعالى : * ( حرمت عليكم الميتة ) * ، والمراد الانتفاع بها بأكل أو بيع أو غيرها من التصرف ، واسم الميتة يتناول الجلد قبل الدباغ وبعده ونحتج على المخالف بما روي من طرقهم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم قبل موته بشهر : " لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب " ( 2 ) وقول من قال : إن الجلد لا يسمى إهابا بعد الدباغ خارج عن اللغة والشرع ، فلا يعتد به . والخنزير نجس بلا خلاف . والكلب نجس بلا خلاف إلا من مالك ( 3 ) ، ويدل على نجاسته إجماع الطائفة ، ويغسل الإناء من ولوغه فيه ثلاث مرات ، إحداهن - وهي الأولى - بالتراب ، بدليل هذا الإجماع ، ونحتج على المخالف بما روي من طرقهم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله ثلاث مرات " . ( 4 ) وفي خبر آخر : " فليغسله ثلاثا أو خمسا أو سبعا " ( 5 ) وهذا بظاهره أيضا يقتضي وجوب الثلاث ، من حيث لم يجز عليه الاقتصار على ما دونها ولأن لفظة " أو " إما أن تفيد التخيير بين هذه الأعداد ، وتكون كلها واجبة على جهة التخيير ، وإما أن تفيد التخيير بين الاقتصار على الثلاث التي هي الواجبة ، وبين الزيادة عليها على جهة الندب ، فإذا كان الأول باطلا بالإجماع ، لم يبق إلا الثاني .

--> 1 - المائدة : 3 . 2 - سنن البيهقي : 1 / 14 وجامع الأصول : 8 / 46 وسنن ابن ماجة : 2 / 1194 برقم 3613 ومسند أحمد : 4 / 310 . 3 - تأتي ترجمته ص 362 . 4 - سنن البيهقي : 1 / 240 و 241 وجامع الأصول : 8 / 36 . 5 - سنن البيهقي : 1 / 240 و 241 وجامع الأصول : 8 / 36 .